تستعرض الباحثة بزاويت إشيتو في هذا التحليل كيف بنت دولة الإمارات شبكة واسعة من الموانئ والبنى اللوجستية عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي والبحر المتوسط، بهدف تجاوز القيود الجغرافية التي تفرضها طبيعة موقعها على الخليج العربي. وترى الكاتبة أن أبوظبي لم تعد تنظر إلى الموانئ باعتبارها أصولاً تجارية فقط، بل باعتبارها أدوات استراتيجية تعزز النفوذ السياسي وتحمي سلاسل الإمداد وتمنحها قدرة أكبر على التأثير في التوازنات الإقليمية.
ويشير موقع هورن ريفيو إلى أن هذه الاستراتيجية جاءت استجابة لمخاوف طويلة الأمد مرتبطة بمضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً لصادرات النفط الإماراتية ووارداتها التجارية. ولذلك سعت أبوظبي إلى بناء بدائل خارج الخليج عبر الاستثمار في موانئ وممرات بحرية تمتد من القرن الأفريقي إلى سواحل البحر المتوسط، بما يحد من اعتمادها على الممرات التقليدية المعرضة للتوترات الأمنية.
الموانئ كأداة للنفوذ الجيوسياسي
اعتمدت الإمارات على شركات كبرى مثل "موانئ دبي العالمية" و"مجموعة موانئ أبوظبي" وصندوق "القابضة ADQ" لترسيخ حضورها في مواقع استراتيجية. وبدأت هذه الرؤية من ميناء الفجيرة المطل على بحر العرب، حيث تنقل خطوط الأنابيب النفط مباشرة من حقول أبوظبي إلى خارج الخليج، ما يقلل الاعتماد على مضيق هرمز.
وامتد هذا الحضور إلى موانئ بربرة في أرض الصومال وبوصاصو في بونتلاند، حيث وفرت تلك المواقع نقاط ارتكاز لوجستية على مدخل البحر الأحمر. وترى الدراسة أن هذه المنشآت تمنح الإمارات قدرة أكبر على حماية حركة التجارة والطاقة في مواجهة الاضطرابات المحتملة في مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
كما عززت أبوظبي نفوذها في جزيرة سقطرى اليمنية وعلى امتداد الساحل المصري للبحر الأحمر، إضافة إلى ميناء العقبة الأردني، ما أسهم في تشكيل شبكة مترابطة من الأصول البحرية تمتد على طول أهم طرق التجارة الإقليمية.
منافسة متصاعدة مع السعودية ومصر
توضح الدراسة أن التوسع الإماراتي أثار مخاوف لدى السعودية ومصر، اللتين تنظران إلى البحر الأحمر باعتباره مجالاً أمنياً خاصاً بالدول المطلة عليه. ومن هذا المنطلق دعمت القاهرة والرياض مبدأ حصر إدارة أمن البحر الأحمر في الدول الساحلية، بهدف الحد من نفوذ القوى غير المطلة مباشرة على هذا الممر الحيوي.
وتبرز السودان باعتبارها إحدى ساحات التنافس الرئيسية بين الأطراف المختلفة. فبينما واجهت الإمارات اتهامات بدعم قوات الدعم السريع، دعمت السعودية ومصر الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان. وأدى هذا التباين إلى إلغاء مشروع إماراتي ضخم لتطوير ميناء أبو عمامة على الساحل السوداني، ما كشف حجم التداخل بين الاقتصاد والجغرافيا السياسية في المنطقة.
ورغم المكاسب التي حققتها الإمارات عبر هذه الاستثمارات، تشير الدراسة إلى أن الاعتماد على كيانات محلية في بيئات غير مستقرة يحمل مخاطر كبيرة. فالموانئ تحتاج إلى استقرار سياسي وقانوني طويل الأمد لضمان استدامة العوائد التجارية وجذب خطوط الشحن العالمية.
ممرات جديدة تربط الخليج بالمتوسط
ترى الدراسة أن الهدف النهائي للاستراتيجية الإماراتية يتجاوز السيطرة على الموانئ، إذ تسعى أبوظبي إلى بناء شبكة نقل متكاملة تربط الخليج العربي بالبحر المتوسط عبر السكك الحديدية والطرق البرية والمراكز اللوجستية الحديثة. وتنسجم هذه الرؤية مع مشاريع إقليمية أوسع تهدف إلى تسهيل حركة التجارة بين آسيا وأوروبا وتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية.
وفي هذا السياق تكتسب الاستثمارات الإماراتية في مصر أهمية خاصة. فقد عززت أبوظبي حضورها في موانئ العين السخنة وسفاجا والغردقة وشرم الشيخ، كما أطلقت مشروع رأس الحكمة الضخم على ساحل البحر المتوسط. وتؤكد الدراسة أن هذه المشاريع لا توفر عوائد اقتصادية فقط، بل تخلق ممراً استراتيجياً يسمح بنقل الطاقة والبضائع إلى الأسواق الأوروبية عبر الأراضي المصرية.
وتخلص الكاتبة إلى أن الإمارات نجحت خلال السنوات الأخيرة في تحويل محدودية موقعها الجغرافي إلى مصدر قوة، عبر بناء شبكة نفوذ تمتد من القرن الأفريقي إلى شرق المتوسط. وبفضل هذا الانتشار أصبحت البنية التحتية الإماراتية لاعباً رئيسياً في حركة التجارة والطاقة الإقليمية، ما يمنح أبوظبي تأثيراً متزايداً في رسم ملامح التوازنات السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال السنوات المقبلة.
https://hornreview.org/2026/06/03/the-uaes-strategic-grip-on-the-red-sea-horn-of-africa-and-beyond/

